ابن قيم الجوزية

88

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين

الرابع : أن يصبر عن صرفها في الحرام فلا يمكن نفسه من كل ما تريده منها فإنها توقعه في الحرام فإن احترز كل الاحتراز أوقعته في المكروه ولا يصبر على السراء إلا الصديقون . قال بعض السلف : ( البلاء يصبر عليه المؤمن والكافر ولا يصبر على العافية إلا الصديقون ) . وقال عبد الرحمن ابن عوف رضي الله عنه : ( ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نصبر ) . ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال والأزواج فقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ) ( المنافقون : 9 ) وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ) ( التغابن : 14 ) . وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادة بل إنما هي عداوة المحبة الصادرة للآباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة وغير ذلك من أمور الدين وأعمال البر كما في جامع الترمذي من حديث إسرائيل : حدثنا سماك عن عكرمة عن ابن عباس وسأله رجل عن هذه الآية : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ) قال : هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة فأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم ) الآية قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .